السنة: 2022 التاريخ: 2022-05-15 المؤلفون: عماد العبار المصدر: https://rowaq.maysaloon.fr/archives/6438 ملف PDF: https://rowaq.maysaloon.fr/wp-content/uploads/2021/05/محاولة-في-فهم-جذور-مشكلة-الهوية-الوطنية-السورية.pdf
خلاصة
يناقش المقال جذور أزمة الهوية الوطنية السورية بوصفها حصيلة تراكمات تاريخية استعمارية ومحلية، ويرى أن بناء هوية مواطنة حديثة يقتضي ترميم الهوية الوطنية ضمن سياقها التاريخي والاجتماعي.
الحجة المركزية
يؤكد الكاتب أن الهوية السورية لم تكن فراغًا تاريخيًا، وأن أزمتها الراهنة نتجت من التقسيم الاستعماري وسياسات الدولة المتعاقبة، ولا سيما نظام الأسد، ما يستدعي مشروعًا وطنيًا جامعًا لا يختزل القضية في تسمية الدولة.
الموضوعات
الهوية الوطنية، المواطنة، التاريخ السوري، الاستعمار، القومية العربية، الدولة السورية
المجالات
الفكر السياسي، التاريخ الحديث، علم الاجتماع السياسي، الهوية، القومية
المناهج
قراءة تاريخية، تحليل سياسي، مقارنة تاريخية، نقد مفاهيمي
أشخاص مذكورون
عماد العبار، الملك فيصل بن الحسين الهاشمي، ريمون معلولي، رايموند هينيبوش، منير الخطيب، ناظم القدسي، خالد العظم
أماكن
سورية الكبرى، دمشق، الحجاز، الحسكة، العراق، فلسطين، لبنان
مؤسسات
المؤتمر السوري الكبير، جمعية العهد، الجمعية العربية الفتاة، حزب البعث، رواق ميسلون
أعمال مذكورة
بروتوكول دمشق، الدستور السوري لعام 1920، مرسوم 93، الجمهورية العربية السورية
أسئلة مفتاحية
- هل كانت سورية تاريخيًا بلا هوية جامعة أم ذات هويات متراكبة؟
- كيف أثّر الاستعمار والتقسيمات السياسية في تشكل الهوية الوطنية السورية؟
- ما حدود مسؤولية حزب البعث ونظام الأسد عن تعثر الهوية الوطنية؟
- هل تكفي تسمية الدولة لتحديد الهوية الوطنية؟
السياق السوري
يركز المقال على تشكل الهوية السورية من الدولة العربية السورية الأولى إلى الاستقلال والانفصال وحكم البعث والأسد، ويربط أزمة الهوية بالتجزئة الاستعمارية وبفشل الدولة في إنتاج مواطنة جامعة.
بطاقة استخدام كتابي
وظائف الاستشهاد الممكنة: استشهاد تأسيسي، استشهاد محاورة، استشهاد منهجي، استشهاد مصدري، استشهاد فجوة
كيف يمكن استخدامه: استشهاد تأسيسي؛ جسر إلى: الهوية الوطنية، المواطنة، التاريخ السوري، الاستعمار
ما لا يغطيه بما يكفي: يحتاج تحديد الفجوة بحسب سؤال المقال المختار، لا بحسب البطاقة وحدها.
أنواع المصادر الظاهرة: كتب (3), وثائق قانونية (5), مصادر عربية (11), مصادر سورية (10), صحافة وتحقيقات (1), بيانات وقواعد بيانات (1), أرشيفات رقمية/وسائط (1)
مواد قريبة
- الدولة الوطنية السورية؛ إشكاليات التأسيس والقبول (2024)
- صدمة الحداثة والوطنية السورية (2022)
- مساهمة في الحوار حول الوطنية السورية (2022)
- القراءات الخاطئة والإخفاق في طمأنة السوريين (2022)
- الهوية الوطنية والنضال لبناء دولة المواطنة (2022)
- الثقافة السياسية في سورية بوصفها إشكالية وعي تعوِّق بناء الدولة الديمقراطية (2024)
النص الأصلي
محاولة في فهم جذور مشكلة الهوية الوطنية السورية
محاولة في فهم جذور مشكلة الهوية الوطنية السورية
النقاش حول الهوية الوطنية الجامعة أو الهويات الثقافية المتنوعة في كل بلد نقاش حيوي بناء، وهو في الحالة السورية حاجة ملحة أيضا بسبب حجم التدمير الذي أتى على الدولة والمجتمع السوريين والذي طال الهوية أيضا. فالهوية الوطنية السورية اليوم في حاجة إلى إعادة ترميم، لكي يتاح بعد ذلك في خطوة لاحقة تطويرها نحو هوية مواطنة قائمة على أسس ديمقراطية راسخة. وحين أقول إن الهوية بحاجة إلى إعادة ترميم، فأنا لا أدعو إلى تأسيس مفهوم لم يكن موجودًا قط، ولا اختراع هوية وانتماء لكتلة بشرية لم تعرف الانتماء أو أحد أشكاله من قبل. وللأسف فإن بعض النقاشات الدائرة حاليًا التي بدأت تثار بعد انتفاضة السوريين في العام 2011، تبدو كما لو أنها تتحدث عن شيء غير موجود أصلًا، وكأن هذه الشعوب التي عاشت على هذه الأرض منذ آلاف السنين حتى يوم انطلاق الثورة لم تكن تتمتع بأي شكل من أشكال الانتماء والهوية. من المعلوم أن هذه الشعوب التي عاشت في منطقة سورية الكبرى يشهد لها التاريخ بمساهمات حضارية وبأشكال متقدمة وسباقة في المدنيّة، كما يشهد التاريخ بأن المنطقة حظيت بمركزية عالمية لكونها شكلت مركزًا لأول دولة عربية إسلامية كبرى، وبالتالي فإن من المبالغ فيه الكلام عن أن هذه الشعوب لم تعرف هوية جامعة عبر تاريخها، وكأن هذه الشعوب مرت خلال كل تلك المراحل بحالة فراغ هويّاتي، ولم تستطع عبر تاريخها أن تعرف نفسها بصيغة واضحة، ولا أن تنتج لنفسها تعريفات هوياتية مناسبة لطبيعة المراحل والأوضاع التي اجتازتها حتى يومنا هذا. وللحديث عن هذا الأمر لا مفر من طرح سؤال الهوية على التاريخ، فكل الشعوب من دون استثناء طورت هويتها الحديثة دون انتزاعها من سياقها التاريخي، أي دون التنكّر للتاريخ، وفي بعض الدول التي تشكلت على أنقاض إمبراطوريات قديمة، كتركيا كمال أتاتورك التي أُجبرتها الأوضاع على (تعديل) هوية الأمة بما يناسب مصلحة بقاء نواة هذه الأمة، وبما يحول دون إعادة توحيد الجهود الاستعمارية لتفكيكها مجددًا، نراها اليوم، وهي تستعيد عافيتها واستقلالها تدريجيًا، تعيد الاحترام لهويتها التاريخية، دون التنكر لهويتها الأتاتوركية الحديثة (إن صح التعبير). أي تعيد وصل هويتها الحديثة بتاريخها مجددًا، فبناء الهوية عملية تراكمية لا ينبغي تحويلها لساحة صراع عدمي، وإنما لحالة نقد بناء مثمر وتغيير نحو الأفضل بالاستفادة من تجارب الماضي والحاضر. فمن غير الممكن بتصوري طرح نقاش الهوية بمعزل عن تاريخها، ونحن لسنا استثناء في هذه الحالة، ولسنا استثناء أيضًا في وجود جدل هوياتي، فجدل الهوية يكاد يكون هو القاعدة عند معظم الشعوب وليس الاستثناء. حين أتحدث عن سياق تاريخي للهوية السورية فأنا غير معني بذلك الجدل العنصري الدائر حول من وصل أولًا إلى هذه الأرض، ومن كان قبل من، ومن أطلق هذه التسمية على المدينة قبل غيره. فهذا جدل منطلقه عنصري ومنتهاه حروب أهلية باردة أو ساخنة، بينما يساعدنا منطق التاريخ في فهم كيف تفاعلت هويات الشعوب في منطقة سورية الكبرى وكيف تغيرت مع أحداث التاريخ، وهل كانت هناك هوية سائدة تجمع هويات فرعية، أم كانت المنطقة تعيش فعلًا في حالة مديدة من الفراغ الهويّاتي؟
أرى أن إعلان تأسيس المملكة العربية السورية كان يمثل خطوة مهمة على طريق بناء دولة المواطنة والهوية الوطنية السورية، ففي البداية يظهر لنا من خلال التاريخ أن تسمية المملكة بهذا الاسم لم يكن أمرًا صادمًا ومستهجنًا في المجتمعات المحلية لسورية الكبرى، فالتسمية جاءت منسجمة مع تاريخ المنطقة ومع هويتها السائدة، ولم تأتِ التسمية بالضرورة من منطلق تحدي الهويات الفرعية، ولا الهويات الفردية للأشخاص، ولا حتى متعارضًا مع التنوع الإثني الموجود في المنطقة، وكان دستور المملكة ينص على أنها دولة قومية لا مركزية ملكية دستورية مدنية يرأس مقاطعاتها حكام يعينهم الملك. كما أن هذه المملكة التي أسسها الملك فيصل بن الحسين الهاشمي في الثامن من آذار 1920 جاءت على خلفية ثورة القبائل العربية في الحجاز ضد الحكم العثماني، ويفهم من ذلك أن الانتماء العربي جزء أصيل من تكوين هذا الكيان السياسي حديث النشوء، ولا سيما أن المجتمع نفسه قبل بفكرة أن يكون ملك هذه الدولة من عرب الحجاز، على الأقل لم يكن الأمر مستهجنًا ضمن سياقه التاريخي. في هذا السياق التاريخي لم تتشكل المملكة العربية السورية بمنطق الفرض والإكراه، كما أنها لم تعلن من دون تحضيرات كافية، وكتب ريمون معلولي عن البدايات التأسيسية للإعلان: “خـلال الحـرب الأولى تواصـل فيصـل نجـل الشريـف حسـن سرًا مـع القومييـن السـوريين عـام 1915 في أثنـاء زيارتـه لدمشـق، في إطـار التحضيـرات للانخـراط في الحـرب إلى جانـب الإنكليـز والفرنسـين، وأجـرى اتفاقــات مــع أعضــاء الجمعيــة العربيــة الفتــاة وجمعيــة العهــد الذيــن شــجعوه عــلى التواصــل مــع الإنكليــز، وزودوه بــشروط التحالــف معهــم في الحــرب التــي عرفت ببروتوكــول دمشــق، وبموجبه كان على الإنكليــز الاعتــراف للعــرب باســتقلال الدولــة العربيــة بحدودهــا الطبيعية وإلغــاء نظــام الامتيــازات”. وجرى إعلان المملكة بعد اجتماع المؤتمر السوري الكبير الذي تألف في حزيران عام 1919م، وضم نحو تسعين نائبًا من مختلف مناطق سورية الكبرى، وتمت المناداة بفيصل ملكًا، ودعا المؤتمر إلى إقامة وحدة عربية بين سورية والعراق، كما أكد على رفض فصل فلسطين ولبنان عن الكيان السوري، وقد لاقى الإعلان تأييدًا جماهيريًا وقتها، وكانت تجربة المؤتمر السوري أول تجربة برلمانية وطنية في تاريخ سورية تؤكد وحدة سورية الطبيعية واستقلاليتها أولًا، وعلى رفض تقسيمات سايكس بيكو ووعد بلفور، وعلى وحدة العرب أيضًا، وكان البرلمان يتمتع بقدر جيد جدًا من تمثيلية الطوائف والتيارات السياسية التي كانت موجودة على الساحة في ذلك الوقت. وكان دستور عام 1920 أول دستور وطني للبلاد، وتم التأكيد بموجبه على هوية سورية الكبرى كالتالي: المملكة العربية السورية ملكية دستورية دين ملكها الإسلام، وسورية موحدة مع إدارة لا مركزية في المقاطعات، كما وضح معنى كونها عربية بشكل دقيق، حين أكّد على أن عروبتها تعني اعتماد اللغة العربية لغة رسمية للمملكة وهي لغة أغلبية السكان؛ أي عروبة اللغة الرسمية للدولة وليس بمعنى الأصل العربي للأعراق المختلفة الموجودة في البلد، بينما يطلق على كل مواطن في هذه المملكة وصف سوري (بمعنى جنسية المواطنين عربًا كانوا أم غير عرب). ولكن التجربة الدستورية الأولى لم يكتب لها الاستمرارية وتدخلت دول الاستعمار التقليدي لتقضي على إيجابيات المرحلة، ولتضع المنطقة أمام تحديات جديدة أكثر خطورة.
ينبغي لنا هنا فك الارتباط بين بعض المفاهيم المختلف حولها ضمن النقاش الدائر اليوم حول هوية سورية، فمسألة عروبة الهوية السورية تاريخيًا لا تمت بصلة للأزمة القائمة على خلفية قرار الإحصاء الاستثنائي وما تلاه من قرارات ظالمة، فهذه السياسات هي من بين السياسات الخاطئة في ضوء غياب دولة القانون والمحاسبة. أما كون الهوية العربية هي الهوية السائدة فهذا ما لم يكن مختلفًا عليه من قبل، كما أنه لا يمكن أن يتم تحميل حزب البعث كل الأزمات السابقة، فلا حزب البعث ولا القوميين السوريين هم الذين قرروا الهوية العربية لسورية، ومن المعلوم أنّ اعتماد تسمية “الجمهورية العربية السورية” تم في العام 1962م، أي بعد الانفصال وقبل انقلاب البعث بأشهر وفق مرسوم وقّعت عليه شخصيات ليبرالية، فإقرار هذه التسمية كان منسجمًا مع السياق التاريخي لسورية، بقدر ما كانت تسمية “المملكة العربية السورية” تسمية منطقية في وقتها. وفي مادة نشرتها مجلة رواق ميسلون في عددها الأول للكاتب رايموند هينيبوش أشار الكاتب إلى وجود هوية عربية لسورية بعد الاستقلال مباشرة، لكونها لغة الأغلبية، ثم أشار إلى دور الصراعات السياسية وطبيعة الأليغارشية الليبرالية الحاكمة بعد الاستقلال في صعود حزب البعث واستحواذه على الساحة السياسية ممثلًا عن الطبقة الوسطى. وفي الواقع لم يأت صعود حزب البعث من فراغ، فالتيار القومي في ذلك الوقت كان هو الأقدر على تمثيل الطوائف وصهرها في خطاب جامع (كرد على سياسة التقسيم الطائفي من رواسب عهد الانتداب) والأكثر اهتمامًا بإشكالية التفاوت بين الطبقات، وهي الإشكالية التي انتقلت من الحكم العثماني إلى فترة الانتداب، ثم إلى عهد الاستقلال دون أن تجد لها الليبرالية الحاكمة حلولًا مناسبة أو دون أن تكون على جدول أعمالها في الأصل. حتى إن الإحصاء الاستثنائي في محافظ الحسكة عام 1962، لم يحدث في عهد البعث، بل صدر المرسوم 93 الذي أدى إلى تجريد نسبة من الأكراد من حقوقهم المدنية في عهد الرئيس ناظم القدسي، ووافقت عليه حكومة خالد العظم، أي أن الأمر لم يحصل تحت حكم البعث، بل خلال فترة حكومة الانفصال، أي في عهد الليبراليين لا في عهد القوميين، ولا أظن أن هؤلاء كانوا يتصرفون من منطلق قومي عنصري، بل أعتقد أنهم تصرفوا بدافع الخوف من النزعة الانفصالية التي زرعها الانتداب الفرنسي، وهنا ينبغي التريّث قليلًا قبل أن تحال مجمل السياسات على دوافع عنصرية وشوفينية، فالتفسير الخاطئ للظواهر قد لا تكون نتائجه أقل سوءًا من الظاهرة نفسها. ولكن وإن كنت أبحث عن تفسير لتلك المخاوف بحسب أوضاعها، إلا أنه لا يوجد مبرر لترك هذه المشكلة من دون حل منذ تلك الفترة حتى يومنا هذا، كما لا يوجد ما يبرر لنظام الأسد عدم إيجاد حلول وطنية، ولا سيما أن فترة حكمه امتدت لأكثر من 40 عامًا، ولم يعان خلال فترة حكمه ما عانت منه الحكومات السابقة منذ مرحلة الاستقلال حتى العام 1970م.
فُرض شكل الدولة على سورية الكبرى من سلطات استعمارية قسمت المنطقة بما يخدم مصالحها الاستعمارية أولًا، وبما ينسجم مع دراسات استشراقية سابقة لمرحلة الاستعمار كانت ترى المنطقة عبارة عن مجموعات هوياتية إثنية وطائفية لا تحقق شرط الأمة، ولا يجمعها هوية عامة وغير قادرة على إقامة دولة الأمة، وكان لسياسة تقسيم المنطقة على أسس طائفية دور كبير في صعود دعوات القومية بوصفها إطارًا وطنيًا جامعًا، كما أدت سياسة تجنيس اللاجئين من تركيا ودعم النزعة الانفصالية إلى ظهور سياسات خاطئة بعد ذلك، بعضها مفهوم ضمن سياقه وبعضها الآخر متطرف. إن غياب الهوية الوطنية الجامعة والتشتت الذي نعيشه اليوم، ما هو إلا حصيلة سياسات خاطئة متراكمة، ليس منذ أن استلم حافظ الأسد السلطة فقط، بل هنالك مشكلات لم توجد لها الحلول الملائمة منذ ما قبل الاستقلال أيضًا، غير أنّ الأوضاع التي أتيحت لنظام الأسد لم تكن متاحة لكل الذين جاؤوا قبله، ما يجعله يتحمل جزءًا مهمًا من المسؤولية التاريخية في إعاقة تشكيل الهوية الوطنية السورية. لم يتصرف نظام الأسد على أنه نظام وطني؛ وهنا لا أتحدث عن كونه نظامًا مستبدًا أو ديمقراطيًا، فتلك جزئية أخرى (لا تقل أهمية) لكنها تحتاج لدراسة ثقافية واجتماعية تاريخية أكثر شمولية، وإنما أقصد أنه حتى وفق منطقه السلطوي في الحكم لم تكن لديه إرادة بناء مجتمع موحد بهوية وطنية جامعة توافقية، بل نادى بهذه المبادئ على أنها شعارات فقط ثم أدار المجتمع عبر قنوات تقليدية تعود إلى عصور سابقة، معززًا الهويات العشائرية والطائفية والجهوية، فكان ينادي بالقومية العربية شعارًا ثم ينقض الأسس التي نهضت عليها دعوة القومية في البدايات كإطار جامع للطوائف، ونادى بالاشتراكية لكنه أدار البلد بواسطة شبكة من الوجهاء والفاسدين الجدد وأعاد تركيز الملكية بيد طغمة جديدة فهدم الأسس التي بنيت عليها الاشتراكية، وهذا أدى إلى نتائج خطرة: أولها أنه جعل الناس تكفر بشعارات العروبة والقومية والوطنية، وتمارس حياتها وفق شبكة العلاقات الفاسدة القائمة على أسس جهوية ومناطقية وطائفية وعشائرية، وثانيها وهو الأهم؛ بمجرد أن رفع غطاء الأسدية عن المجتمع عاد هذا المجتمع إلى طبيعة العلاقات البدائية المتخلفة التي رسخها نظام الأسد على أسس ما دون وطنية، ولكن مع قدر مضاعف من الفوضى والبربرية. أعتقد أن فهم السياق التاريخي لأزمة الهوية الوطنية السورية أمر لا بدّ منه لمن يعمل على مشروع وطني جامع، والمسألة هنا لا يمكن تقزيمها بالخلاف الدائر حول إضافة أو عدم إضافة وصف “العربية” لاسم “الجمهورية السورية”، فالاسم ليس هو من سيعبر عن هوية البلد، بل المشروع الوطني الداخلي الذي يتم العمل عليه، وأفهم أيضًا أن قراءة التاريخ مسألة قد لا تصل بنا إلى اتفاق، وقد لاحظت على سبيل المثال أنّ منير الخطيب (في بحثه المنشور في العدد الأول من المجلة قدم قراءة مغايرة تمامًا) فرأى في الحقبة المملوكية والعثمانية كل ما هو انحدار وتعفن وانهيار، بينما ربط كل ما فيه حداثة وتقدم وصدمة حضارية بالحقبة الكولينيالية. كان الخطيب يريد أن يرد على منهج الحنين الشعبوي إلى ما قبل الكولينيالية، فوقع في نفس أخطاء الذين ينتقدهم، وبدا من كلامه الحنين (النخبوي ربما) المبالغ به للكولينيالية وللفترة الليبرالية العابرة، وأخشى أنه وقع في تحريف التاريخ حين ربط بين صدمة الحداثة والخروج من القبر (ممثلًا للحقبة العثمانية) التي صاحبت الاستعمار وبين سيرورة تشكل الهوية الوطنية السورية، مع العلم أن الانتداب هو الذي أنهى أول تجربة وطنية حديثة بعد خروج العثمانيين، فالانتداب عمليًا هو الذي حفر قبر أول تجربة وطنية حديثة في تاريخ سورية. في رأيي، قدم منير الخطيب قراءته للتاريخ، لكنه خرج عن المنطق والموضوعية، فلم يكلّف نفسه عناء تحليل الظواهر التي انتقدها بقسوة، ولم يقدم تفسيرًا كافيًا عن أسباب انتشار التيارات القومية والأممية (عربية، إسلامية، شيوعية)، علمًا أن الظاهرتين القومية والشيوعية هما أيضًا من منجزات الحداثة الغربية، ولا شك أنّ لكل ظاهرة سياسية أبعاد أكثر بكثير من أن يتم تقزيمها بعامل المشاعر والحنين والشعبوية، كما سخّف مسألة التجزئة كما لو أنها حدث عابر في تاريخ الشعوب، وكما لو أنّ فرنسا مثلًا إذا تمت تجزئتها اليوم فالناس في كل قسم مجزّأ غدًا تتابع حياتها بهويات جديدة، دون أن تخرج تيارات وتثار نقاشات وتتشكل ولاءات وأفكار جديدة! وفي معرض نقده لصعود الظاهرة القومية قدم الخطيب نقدًا أراه مسيئًا لفكرة الهوية الوطنية التي يدافع عنها، حين جعل من الجماهيرية التي رافقت ظهور الأحزاب القومية وصعود حزب البعث إلى السلطة، حالة “رعاعية معادية للتمدن وقيم الحياة العصرية”، ورأى فيها أيضًا “إعادة الأهمية للمجتمع التقليدي ما قبل الكولينيالي وإطلاق سيرورة ترييف المدن ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا”، ولا أرى في هذا الكلام إلا نكوصًا على فكرة الوطنية والمواطنة نفسها، فالمعروف أن الأحزاب القومية الاشتراكية اعتمدت قاعدة شعبية عريضة من أبناء الريف (أغلبية المجتمع السوري بما فيهم أغلبية الطوائف والإثنيات)، فكيف يمكن لمن يدعو لتأسيس هوية وطنية حديثة ودولة المساواة في الحقوق والواجبات ودولة العدالة الاجتماعية أن يقول عن حالة جماهيرية (لها أسبابها الموضوعية بكل تأكيد) بأنها حالة رعاعية معادية للتمدن وقيم الحياة العصرية، كشخص يعيش في فرنسا قبلة الحداثيين العرب، أعتقد أن كلامًا كهذا لو نُشر في صحف حكومية لكان بمنزلة الفضيحة. أما الكلام عن ترييف المدن فهذا يحتاج إلى تحرير من كاتبه، لأنه إذا كان المقصود إحاطة دمشق بطغمة عسكرية ريفية، وانتشار مستعمرات أمنية جل الذين يخدمون فيها من مناطق ريفية، فهذه ظاهرة منحطّة ارتبطت بطبيعة النظام الذي أراد السوريون (أغلبيتهم ريفيون) إسقاطه، أما إذا كان الكلام عن نزوح ريفي باتجاه المدن، يرافقه ظهور العشوائيات في المدن، لأسباب اقتصادية متعلقة بفشل الدولة أو لأسباب خارجة عن إرادتها متعلقة بكوارث طبيعية أو جفاف، فهذه ظاهرة إنسانية من غير الوطني وغير الإنساني الحديث عن ترييف، كما لو كانت المدينة أعلى مرتبة من الريف، يفترض أنّ الريف يمثل شريان الحياة للمدن، ويفترض أنّ الريف يطعم المدينة ويوفر لها الإمكانات والمواد الأولية والراحة اللازمة لظهور نسبة الواحد بالمئة من النخبة في المجتمع، ويفترض أيضًا أنّ هذه النسبة التي ينتظرها الجميع سيقع على عاتقها مسؤولية النهوض بالجميع معًا (ريف ومدينة)، أما استعادة مفردات الخطاب الطبقي التي كانت سائدة في مرحلة ما قبل الاستقلال حين كان المجتمع مقسمًا إلى وجهاء ورعاع، فهو بمنزلة خلطة سحرية لإعادة الظواهر الجماهيرية ذاتها بأشكال جديدة وربما بأشكال أكثر تدميرية من السابق، ولماذا يجب أن ننتظر من الجماهير تغيير سلوكها طالما ما تزال نخبها تفكر بالطريقة ذاتها؟! لا يمكن، في تصوري، إعادة التأسيس لهوية وطنية ولمواطنة حديثة في سورية، من دون معالجة المشكلات الاجتماعية التي نتجت عنها الأزمات السياسية ثم الانهيار المجتمعي الذي نشاهده اليوم، وهذا يتطلب معالجة ذات خصوصية تتوافق مع خصوصية المجتمع السوري، وإن كان من الضروري جدًا الاستفادة والاقتباس والبحث عما هو مناسب لنا في تجارب المجتمعات الأخرى، إلا أنه من الخاطئ جدًا أيضًا تجاهل الفوارق والسياقات التاريخية لكل تجربة.
عماد العبار كاتب وباحث سوري في القضايا الإسلامية، مهتم بإعادة قراءة النص الديني في ضوء الواقع، وبقضايا التغيير الاجتماعي، ومسألة الحريّة واللاإكراه من منظور إسلامي، وقد كتب العديد من المقالات الفكريّة والسياسيّة المنشورة في صحف ومواقع إلكترونية عديدة. صدر له عن مركز دراسات الجمهورية الديموقراطية كتاب بعنوان “قصة الحرية بين النص القرآني، والتطبيق التاريخي للإسلام”. وهو أحد الأعضاء المؤسّسين في مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية. طبيب أسنان، تخرج في كلية طب الأسنان بجامعة فيكتور سيغالن بوردو 2، مقيم في فرنسا، من مواليد مدينة داريا 1978.