السنة: 2022 التاريخ: 2022-07-29 المؤلفون: راتب شعبو المصدر: https://rowaq.maysaloon.fr/archives/7029 ملف PDF: https://rowaq.maysaloon.fr/wp-content/uploads/2022/07/الافتتاحية.pdf

خلاصة

يجادل المقال بأن العنف في المجتمع السوري تحوّل إلى مصدر للشرعية السياسية، بما يجعل السلطة والعنف في دائرة متبادلة تعيق إمكان التغيير السلمي.

الحجة المركزية

يرى المقال أن الشرعية ينبغي أن تنفصل عن العنف، لأن استمرار ربط السلطة بالقوة يكرّس التأبيد السياسي ويغلق باب الإصلاح والمشاركة ويحوّل العنف غير الشرعي إلى مدخلٍ عمليٍّ للسلطة.

الموضوعات

العنف السياسي، الشرعية، السلطة السياسية، التأبيد السياسي، التداول السياسي، الإصلاح السياسي

المجالات

الفكر السياسي، علوم سياسية، سوسيولوجيا سياسية، تاريخ سياسي

المناهج

تحليل مفاهيمي، مقارنة نظرية، استدلال جدلي

أشخاص مذكورون

ماكس فيبر، حنّة آرنت، هوبس، كلاوزفيتس، راتب شعبو

أماكن

سورية، فرنسا، الغرب

أعمال مذكورة

ماذا وراء هذه الجدران، دنيا الدين الإسلامي الأول، قصة حزب العمل الشيوعي في سورية

أسئلة مفتاحية

  • كيف يتحول العنف إلى مصدر للشرعية السياسية؟
  • لماذا تعجز المجتمعات ذات السلطة المؤبّدة عن إنتاج تغيير سلمي؟
  • ما أثر غياب آلية مستقرة للتداول السياسي على علاقة السلطة بالعنف؟
  • كيف يمكن فصل الشرعية السياسية عن امتلاك وسائل العنف؟

السياق السوري

ينطلق المقال من واقع سوري يصفه باستعصاء السلطة السياسية وهيمنة العنف، ويُسقِط هذا التشخيص على بنية الحكم والتداول والشرعية في سورية، مع إحالات مباشرة إلى تجربة النظام السوري وسجونِه.

بطاقة استخدام كتابي

وظائف الاستشهاد الممكنة: استشهاد تأسيسي، استشهاد محاورة، استشهاد منهجي، استشهاد مصدري، استشهاد فجوة، استشهاد مفارقة

كيف يمكن استخدامه: استشهاد تأسيسي؛ جسر إلى: العنف السياسي، الشرعية، السلطة السياسية، التأبيد السياسي

ما لا يغطيه بما يكفي: يحتاج تحديد الفجوة بحسب سؤال المقال المختار، لا بحسب البطاقة وحدها.

أنواع المصادر الظاهرة: وثائق قانونية (1), مصادر عربية (2)

مواد قريبة

النص الأصلي

سلطات العنف، أو الشرعية المستمدَّة من العنف

سلطات العنف، أو الشرعية المستمدَّة من العنف

كان العنف العام، ولا يزال، المادة الأكثر حضورًا في مجتمعنا. نقصد هنا العنف الداخليّ، ونحاول فصله، قدر الإمكان، عن الحروب أو الغزوات أو التدخلات العسكرية أو الأمنية الخارجية؛ والحضور الطاغي للعنف مؤشرٌ رئيسٌ على استعصاء مشكلة السلطة السياسية في مجتمعنا، أو بالأحرى مؤشرٌ على أنه لا تزال السلطة السياسية مشكلةً معقدةً، بل لا تزال هي المشكلة الأولى، سواء في سوء إدارتها البلد بسبب تهميش البعد الوطني فيها، أو في سدّها أفق التغير، الأمر الذي يحرّض على توسل العنف المضاد للسلطة بهدف تغييرها، أي يستدعي اللجوء إلى العنف “غير الشرعي”. ومعروفٌ أن هذا العنف يتحوّل، إذا نجح في حيازة السلطة، إلى “عنفٍ شرعيٍ” أو “عنف دولةٍ” سيبقى على طول الخط مستنفرًا كي يتصدى لكل عنفٍ آخر يسعى لأن يصبح بدوره “شرعيًا”. الواقع أن كلام ماكس فيبر عن العنف الشرعي يتعثر حين نستخدمه في مجتمعٍ لا تحوز فيه الإرادة العامة حضورًا فاعلًا، ومن ثمّ لا تحوز السلطة السياسية فيه شرعيةً، إلّا إذا افترضنا أن قدرة نخبة السلطة على الوصول إليها (وغالبًا بالعنف) مصدرٌ كافٍ للشرعية. الحال لدينا هو أن العنف يفرض شرعيته ويفتح الباب، نتيجة ذلك، أمام حالات عنفٍ مضادٍ له أيضًا يستمدّ شرعيته من تأييدٍ شعبيٍ لا يقل أو ربما يتجاوز في اتساعه التأييد الشعبي لعنف الدولة. لا تقوم طاعة الحاكم عندنا على اعتراف المحكومين بشرعيته، بل على الخضوع لقوّته أو على تقدير، وربما “تقديس”، هذه القوة بوصفها ضمان أمن المجتمع، في صدىً عميقٍ لفكرة هوبس عن اللوياثان، الكناية عن القوة القادرة على حماية المجتمع من “حرب الكلّ ضدّ الكلّ”. كما لا يصح، في حالنا، كلام حنّة آرنت الذي يذهب إلى أن العنف لا يمكنه أن يخلق سلطةٍ، ذلك أنه في غياب آليةٍ مستقرةٍ لإنتاج السلطة، يبدو في نظر المجتمع أن قدرة نخبةٍ معينةٍ على السيطرة بوساطة العنف هو جواز عبورٍ “مشروعٍ” إلى السلطة، وأن نخبةً كهذه تكفي المجتمع شرّ الحرب الأهلية وعنف النخب الأخرى، وهكذا فإنّ السلطة والطاعة يمكن أن تُبنَيا على هذا الاعتبار.

هذا الحال الذي وصفناه يجعل المجتمع مصلوبًا على خشبتي عنفٍ، الأولى هي عنف السلطة التي تكون مستنفرةً على طول الخط، للتصدي إلى كل عنفٍ يستهدفها، أكان عنفًا خارجيًا بالنسبة إلى السلطة (نقصد عنف طرفٍ أو أطراف من خارج السلطة) أو داخليًا (أي العنف من داخل السلطة على شكل انقلابٍ أو تمردٍ)، في حين أن السلطة (سلطة العنف) نفسها هي من يحرض على العنف كما ذكرنا. والثانية هي العنف المضاد الذي يستهدف السلطة والذي يتغذى بصورةٍ دائمةٍ من حقيقة أن العنف هو السبيل الوحيد الممكن لإحداث أيِّ تغييرٍ سياسيٍ. هذه دائرةٌ متكاملةٌ من العنف الذي يغذّي بعضه بعضًا، ولا يترك مجالًا صالحًا لاشتغال الأفكار أو لصراع المصالح على نحوٍ سلميٍ، حتى صار يصحّ بالفعل عكس مقولة كلاوزفيتس: إن الحرب استمرارٌ للسياسة بطرائق أخرى، لتصبح السياسة أو (السلم) استمرارًا للحرب (للعنف) بطريقةٍ أخرى. في غياب آليةٍ منظمةٍ لحيازة السلطة والتخلي عنها -أو بوضوحٍ أكبر، في ظل السلطات المؤبّدة- يكون شكل الحكم الملكي المطلق الوراثي هو الشكل الأمثل للحكم، وهذا في الواقع ما استقرّ عليه الحال عبر تاريخنا. يحصر هذا الشكل السلطة الأولى في الدولة ضمن خطٍ عائليٍ، فيسحب بالتالي هذا الموقع من الصراع العام، ما يخفِّف إلى حدٍّ ما من حدة الصراع على السلطة، كما أنه يحافظ على مرجعيةٍ لها اعتبارٌ دستوريٌ وشعبيٌ (الملك) يمكنها أن تضبط الصراع، إذا اشتطّ، ضمن حدودٍ معينةٍ. معروفٌ أن النهج الراشدي في مستهل الحكم الإسلامي سرعان ما استهلك الطاقة “الجمهورية” للدعوة الإسلامية، وأخلى مكانه بعد فترة اضطراباتٍ دمويةٍ إلى نهجٍ وراثيٍ ملكيٍ مستقرٍ. وفي العصر الحديث، في البلدان التي توصلت بتأثير الاحتكاك مع الغرب الاستعماري إلى نظام حكمٍ جمهوريٍ، مال هذا الحكم، حين استقرّ له الحال، إلى ما يمكن تسميته التوريث الجمهوري، استجابةً لمبدأ التأبيد لدى السلطات السياسية عندنا. غير أن هذا النظام الهجين يحمل في داخله تناقضًا يوازي تناقض التسمية المذكورة (وراثة جمهورية) ما يضطر النظام السياسي إلى ابتداع حيلٍ “جمهورية” كي ينقل السلطة إلى الوارث، الأمر الذي يفشل، بطبيعة الحال، في سحب المنصب الأول (رئاسة الجمهورية) من الصراع العام، لا بل يزيد في احتدام الصراع على خلفية التلاعب الدستوري الصريح. في كلِّ الحالات لا يوجد في النظام السياسي المعني (أكان جمهوريًا أو ملكيًا) أيُّ مدخلٍ مشروعٍ لتغييرٍ سياسيٍ أو حتى لتعديلٍ سياسيٍ، الأمر الذي يجعل العنف غير المشروع هو المدخل الوحيد للتأثير، ولكن المهم أن هذه الحال تجعل من هذا العنف غير المشروع مشروعًا.

المسار الذي يجب على مجتمعنا السير فيه هو مسار قطع العلاقة بين الشرعية والعنف، فلا تبقى القوة وامتلاك وسائل العنف مصدرًا للسلطة وللشرعية. هذا يعني إعادة الاعتبار للجدوى السياسية للأفكار والبرامج والتوجهات ولمدى تمثيلها الشعبي. بذلك ينفتح الباب أمام أصحاب المواهب السياسية وأصحاب الأفكار والمبادرات، كي يساهموا في تطوير وحدة وازدهار مجتمعهم، هذا الباب الذي يغلقه في وجههم على الدوام، أصحاب القوة والسطوة والعنف، والذين إذ يغلقون باب السياسة والفكر السياسي، يفتحون باب العصبيات من كل الأصناف، ويفتحون باب تفتت المجتمع وضياع طاقاته وبؤس أهله.

راتب شعبو كاتب سوري يعيش في فرنسا منذ صيف 2014، أمضى في سجون النظام السوري 16 سنة (1983- 1999)، خرج منها مجردًا من حقوقه المدنية، تابع دراسته بعد السجن وحصل على شهادة الماجستير في الطب، صدر له سيرة ذاتية عن مدة السجن بعنوان (ماذا وراء هذه الجدران)، وكتاب يتناول الجانب السياسي من الدعوة المحمدية (دنيا الدين الإسلامي الأول)، وكتاب (قصة حزب العمل الشيوعي في سورية)، له ترجمات عن الإنكليزية، ويكتب في الصحف العربية.